مقالات اجتماعي

تأخير سنّ الزواج عرضٌ لأزمةٍ أعمق في جسد الأمة

بسم الله الرحمن الرحيم

لم يعد تأخير سنّ الزواج في مصر وسائر بلاد المسلمين ظاهرةً عابرةً تُفسَّر بغلاء المهور أو تقلّبات السوق فحسب، بل غدا مؤشراً كاشفاً عن خللٍ بنيويّ في منظومة الحياة التي تُدار بها شؤون الناس. فحين يعجز الشاب عن الزواج حتى أواخر العشرينات أو الثلاثينات، وتبقى الفتاة سنواتٍ طويلةً تنتظر، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تأخر الزواج؟ بل: أيُّ نظامٍ هذا الذي جعل الزواج وهو من أبسط سنن الفطرة عبئاً ثقيلاً؟

يفرّق التصور الإسلامي الدقيق بين الحاجات العضوية، التي يتوقف عليها بقاء الفرد حياً، وبين الغرائز، التي وُجدت لضمان بقاء النوع وتنظيم الحياة الإنسانية. وغريزة النوع من الغرائز الأساسية في الإنسان، تظهر في الميل الجنسي، والأبوة، والأمومة، وتكوين الأسرة. فجاء الإسلام بمنظومةٍ متكاملةٍ تجعل الزواج هو الطريق الشرعي لإشباع الميل الجنسي، وقد جعله الإسلام ميسوراً ليحفظ المجتمع ويصون الإنسان من الانحراف، فالزواج ليس مشروعاً مؤجَّلاً ولا ترفاً مؤسَّساً على القدرة الاستهلاكية. قال رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».

فالإسلام لا يكبت الغريزة، ولا يطلقها للفوضى، بل ينظم إشباعها على الوجه الصحيح الذي يوافق الفطرة السليمة. فالزواج حفظٌ للدين، وصيانةٌ للأخلاق، وبناء للأسرة التي هي نواة المجتمع. ولم يربطه الإسلام بتراكم رأس المال ولا بتأمين نمطٍ معيشيٍّ فاخر، بل جعله ميسوراً، وحث عليه وأمر بتخفيف المهور، وحذّر من العنت. غير أن التصور الإسلامي لم يعد هو الحاكم للواقع؛ فقد أُزيح الإسلام عن الحكم، وحلّت محله رأسمالية تنظر إلى الإنسان من زاوية المنفعة والإنتاج والاستهلاك.

كيف تُدار المعادلة المقلوبة حين يُعسَّر الحلال ويُيَسَّر الحرام

إن أخطر ما أنتجته الرأسمالية الحاكمة ليس مجرد تعسير الزواج، بل قلب ميزان السلوك الاجتماعي؛ بحيث يغدو الطريق الشرعي لإشباع الميل الجنسي مليئاً بالعوائق، بينما تُفتح صراحةً أو ضمناً مسارات بديلة منحرفة.

أولاً: التعسير المنهجي للحلال (الزواج)

1. السياسة الاقتصادية
سكن مُستحيل: تحرير الأسعار جعل السكن عائقاً.
أجور مُتآكلة: أضعفت القدرة على الادخار.
تعميم الربا: دفع الشباب إلى الدين أو التأجيل.

2. الإطار التشريعي والإداري
• تضخيم الكلفة والإجراءات.
• قوانين لا تحقق الطمأنينة والاستقرار.

3. الخطاب الرسمي والإعلامي
• تطبيع التأجيل.
• تضخيم المتطلبات.

ثانياً: تيسير الحرام وفتح بدائله

1. الفضاء الإعلامي والثقافي
• تطبيع العلاقات خارج الزواج.
• شيطنة الضوابط.

2. البيئة القانونية والاجتماعية
• غياب الردع.
• فصل الأخلاق عن السياسة.

3. النتيجة العملية
• بدائل أسهل بلا مسؤولية.

وهنا يتحقق جوهر الإفساد: تعطيل الحلال، وتعويم الحرام.

ثالثاً: لماذا تفعل الدولة ذلك؟

لأن الدولة التي تحكم بغير الإسلام لا ترى الأسرة ركيزةً يجب حمايتها، بل ملفاً ثانوياً.

إن المشكلة ليست في الغريزة ولا في الزواج، بل في المنظومة التي عطّلت الطريق الشرعي، وفتحت بدائل مدمّرة.

إن ما تعانيه بلاد المسلمين مرتبط بسياسات اقتصادية واجتماعية مفروضة عالمياً، لم تنتج إلا مزيداً من الشقاء والوحدة.

وفي بلاد المسلمين، صادمت الفطرة وأنتجت أزمة مركّبة: شباب يريد العفاف ولا يستطيع.

إن تأخير سنّ الزواج يخلّف آثاراً خطيرة:
• اضطراب أخلاقي
• ضعف الأسرة
• فقدان الثقة بالمستقبل
• إهدار الطاقات

وهذه نتيجة مباشرة لنظامٍ فاسد.

إن الحل ليس وعظاً جزئياً، بل إزالة السبب الجذري بإعادة الإسلام ليحكم الحياة.

خاتمة: رسالة إلى شباب الأمة

إن معاناتكم ليست خللاً فيكم، بل نتيجة لغياب حكم الإسلام. ولا استقرار ولا عفاف إلا بالإسلام نظاماً للحياة ﴿وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾.

 

كتبه محمود الليثي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في مصر