مقالات فكري

كيف تختار الحركة أو التنظيم أو الجماعة أو الحزب الإسلامي لتعمل معه؟

ذات مرةٍ؛ وفي جلسةٍ عامةٍ كنت ضيفاً عليها سألني شخصٌ في خمسينيات العمر ألتقيته لأول مرةٍ قائلا: يا أبا حذيفة، كيف لي أن أختار حركة إسلاميةً لأعمل معها وأنا مطمئن إلى أنني اخترت الحركة الصحيحة التي إن عملت معها أُرضي الله ورسوله؟! أو بعبارة أخرى أي الحركات الإسلامية الموجودة على الساحة هذه الأيام هي الحركة الصحيحة التي يجب عليّ أن أعمل وأمشي معها؟! وخيم الصمت على الحضور فوراً رغم أن الجلسة كانت تعج بتجاذب الرؤى حول مشاريع الإسلام السياسي المطروحة على الساحة، ففهمت أن لهذا الرجل شأناً من الناحية الفكرية عند الحضور، وفهمت أيضا أو قل لمست أن سؤال الرجل ليس بريئاً، لا سيما وأنه عرف منذ بداية الجلسة إلى أي الحركات أنتمي، ووجه الخبث في سؤاله المشروع أنني ظننت – خطأً – أنه كان يتوقع أن أُجيبه على سؤاله بقولي أن الحركة الصحيحة هي حزب التحرير، ليقول للآخرين أرأيتم كل واحد من أعضاء هذه الحركات يدعو لنفسه ولا يرى غيره، فأحببت أن أجيبه بأسلوب عقلي رياضي فماذا قلت له؟.

ابتداءً أحببت أن يجيب هو على نفسه، ولكي أصل إلى هذه النتيجة كان لا بد من أن ننطلق من معطيات تكون مسلمات بيني وبينه أو قل ثوابت نبني عليها هذا الجواب… فسألته أنا هذه المرة: هل أنت مسلم؟ قال: نعم والحمد لله…  قلت له وهل يجب عليك أنت كمسلم أن تعمل مع جماعة إسلامية؟ فأجابني: نعم يجب أن أعمل مع جماعة إسلامية… قلت له: ولماذا يجب عليك؟ ومن الذي أوجب عليك ولماذا؟ قال: الإسلام… قلت له وهل عندك دليل من الإسلام على أنه أوجب عليك أن تعمل له، أي للإسلام من خلال جماعة إسلامية؟! قال: لا أعرف الدليل ولكنني مقتنع بلزوم العمل للإسلام من خلال جماعة أو حزب إسلامي… قلت له لا بأس أنا أزودك بالدليل على ذلك، ولكن دعنا ننطلق للأمام في حديثنا، فقلت: إذاً أنت مسلم والحمد لله هذا هو الثابت الأول، ومقتنع بأنه يجب عليك أن تعمل للإسلام من خلال جماعة إسلامية، قال: نعم… قلت له: لكن يا أخي أنت لم تقل لي ما الذي ستفعله للإسلام ولا تستطيع أنت فعله لوحدك من غير حركة أو حزب أو جماعة؟! أجابني بإستغراب: “يعني أنت عاجبك حال المسلمين؟!، عاجبك إسرائيل بتعربد دون أن تحسب لنا حساب؟!، عاجبك حال المسلمين الذين صاروا أكثر من ثلاثين دولة، وكلهم تحت أمر الغرب وإسرائيل؟! ما الذي يعجبك؟! عاجبك أن مصر صاحبة الثمانين مليون مسلم تقريبا ولا تقدر دخول سيناء بجيشها إلا بإذن من إسرائيل؟!”، واسترسل الرجل وأعجبني استرساله… فقاطعته قائلاً: وماذا سيصنع لك الحزب أو الجماعة الإسلامية حيال ذلك؟! أجابني بحدة قائلاً: إسمع يا أخي: الأندلس أُخِذت من المسلمين، وفلسطين أُخِذت من المسلمين عندما ترك المسلمون دينهم وصاروا في ذيل الأمم، وفقدوا معها كرامتهم وحريتهم وصاروا عبيداً عند أرذل خلق الله، ولن يعود لنا ما أُخِذ منا إلا إذا عاد إلينا إسلامنا وعدنا إليه، وأنا لا أرى عودة لإسلامنا إلا بالانضمام إلى حزب إسلامي أو جماعة تصل بنا إلى الحكم بالإسلام، عندها ستنحل كل مشاكلنا، لكن المشكلة أن الحركات الإسلامية على الساحة كثيرة وكل يقول أنه هو الإسلام الصحيح وغيره خاطئ، فأصبحنا لا نعرف مع من نتحرك… قلت له: هذا كلام جميل فأنت تريد حزبا أو حركة توصلك إلى الحكم بالإسلام لتمسك بزمام الأمور، وهذا ثابت ثاني نتفق عليه، قال نعم، قلت له: بقي أن نقلِّب الأمر من الناحية الشرعية كي نستطيع أنا وأنت أن نرسم معالم الحركة الاسلامية الصحيحة الواجبة الاتباع من كل مسلم للوصول للحكم بما أنزل الله، أتسمح لي يا أخي؟ قال: تفضل، فسألته: ما هو الحكم الشرعي في مسألة أن نُحِّكم شرع الله فينا؟ قال: طبعا فرض، قلت له: تقصد فرض كالصلاة؟! قال: نعم لا بل أهم من الصلاة، قلت له أعندك دليل على أن الحكم بما أنزل الله فرضٌ على المسلمين كالصلاة؟ قال: يا أخي أهلكتني بالدليل، لا يحضرني الدليل ولكني هكذا أفهم، واستدرك قائلاً: إسمع ألم يقل ربنا: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قلت : نعم، وهذا ثابت ثالث، وهو أن الحكم بما أنزل الله فرض علينا نحن المسلمين، ثم سألته قائلاً: ألا ترى يا أخي أن كلَ فرضٍ فرضه الله علينا بيّن لنا كيف نقوم بأدائه؟ قال: نعم فالصلاة فرضها الله، والرسول صلى الله عليه وسلم بيّن لنا كيف نصلي، فقال: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»، وفرض الله علينا الحج، وبيّن لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم كيف نحج فقال: «خُذوا عني مناسككم»، وكذلك الصوم والزكاة، قلت له: بارك الله فيك لقد سهَّلت علي المهمة في هذه، إذاً الفرض وكيفية أداء الفرض من الله ورسوله، فالله يفرض علينا الفرائض ورسولنا يبيّن لنا كيفية أداء الفرائض، وهذه الكيفية هي فرض أيضا، إذ لا تصح الصلاة إلا كما صلاها صلى الله عليه وسلم، وبناءً عليه فإذا كان الحكم بما أنزل فرضٌ فرضه الله علينا، فالواجب علينا لكي نؤدي هذا الفرض على الوجه الذي يريده ربنا ويتقبله؛ أن نتعلم من رسولنا الكريم كيفية أداء هذا الفرض، كما تعلمنا كيف نصلي وباقي الفروض، أليس كذلك؟ فقال لي أتفق معك للآن يا أبا حذيفة، ولكن كيف علمنا الرسول أن نصل للحكم بما أنزل الله؟! فأنا لم أسمع أن الرسول علمنا كيف نصل للحكم، قلت له: دعنا أولا نقر أننا اتفقنا على أن الفرض الذي فرضه الله علينا نأخذ كيفية أدائه من الرسول صلى الله عليه وسلم وهذه الكيفية فرض أيضا وهذا ثابت رابع.

أما وأنك لم تسمع أن الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا كيف نصل للحكم بما أنزل الله فهذه مسألة تحتاج إلى بيان، فسأشرح لك الكيفية التي علمنا إياها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنت بدورك صوِّبني إن أنا أخطأت وسأبينها على مراحل محددة:

1- نزل الوحي على رسولنا صلى الله عليه وسلم قائلا له: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) وبعدها بدأت تنـزل عليه آيات تطلب منه أن يبلغ ما ينـزل عليه من ربه، فيبدأ بأقرب الناس إليه ويدعوهم للإسلام سراً، وكان إذا آمن به أحد يعلمه ما نزل عليه من ربه، وهكذا إلى أن بدأ الناس يؤمنوا بدعوته، فبدأ يعلمهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم، واستمرت مرحلة التثقيف بهذا الدين الجديد، فدعنا نسميها مرحلة التثقيف. قال: هذه صحيحة.

2- وبعد أن آمن برسولنا الكريم كتلة من الرجال والنساء ونزل عليه قول الله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) فإنه أظهر أمره، ودعا قريشا إلى الصفا، وأخبرهم أنه نبي مرسل، وطلب منهم أن يؤمنوا به، وأخذ يعرض دعوته على الجماعات، كما يعرضها على الأفراد، وقد تصدى لقريش وآلهتها وعقائدها وأفكارها، بمعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم بدأ يتفاعل بدعوته مع محيطة ومجتمعه بهدف تغيير أفكاره وعقائده، دعنا نسمي هذه المرحلة بمرحلة التفاعل مع الجماهير بشكل علني. قال: وهذا صحيح أيضا.

3- قلت وبعد أن مات عمه أبو طالب كان مجتمع مكة متجمدا ومغلقاً أمام الرسول صلى الله عليه وسلم، وبموت أبي طالب اشتد إيذاء قريش للرسول إلى درجةٍ لم يكونوا يطمعون فيها في حياة عمه أبي طالب، فأصبحت حماية الرسول أضعف منها أيام أبي طالب، فأوحى الله إليه أن يعرض نفسه على قبائل العرب ليطلب حمايتها ونصرتها له حتى يستطيع أن يبلغ عن الله ما أرسله به وهو آمن، فبدأ يعرض نفسه على القبائل طالباً منهم النصرة والحماية إلى أن سخّر الله له أهل المدينة من أوس وخزرج وبايعوه على نصرته وبهذا تمت المرحلة الأخيرة من مراحل بناء الدولة باستلام الحكم في المدينة المنورة، حيث أصبح له كيان محدد المعالم يحكمه بشرع الله، وهذه هي مرحلة استلام الحكم عن طريق طلب النصرة من أهل القوة القادرين على حماية الدعوة ونصرتها. قال: وهذه صحيحة هي الأخرى.

فقلت له: هذه يا أخي هي الطريقة الشرعية الواجبة الاتباع للوصول إلى الحكم بما أنزل الله، فيجب على أي حركة إسلامية تريد الوصول إلى أن تحكم بما أنزل الله أن تتبع هذا المنهج، لأنه المنهج الشرعي المأخوذ من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم خطوة بخطوة في مراحلها الثلاث، مرحلة التثقيف بالثقافة الإسلامية ومرحلة التفاعل مع الأمة لتحمل الإسلام ومرحلة طلب النصرة لاستلام الحكم لتحكيم شرع الله، وهذا ثابت في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام.

وبالعودة إلى سؤالك أخي “أي الحركات الإسلامية الموجودة على الساحة هذه الأيام هي الحركة الصحيحة التي يجب عليّ أن أعمل معها؟!”، فإن الجواب يكون قد اتضح لديك وهو أن الحكم بما أنزل الله فرض وكيفية أدائه هي هذه المراحل الثلاث التي عمل بها رسولنا الكريم، فوصل بالإسلام إلى الحكم فالحركة التي تتبع هذا المنهج هي الحركة الصحيحة بلا شك لأنها تملك الدليل الشرعي على صحتها.

بقيت مسألة لا بد من الإشارة إليها يا أخي، وهي أن الحركات الاسلامية لا تختلف فيما بينها على فرض الصلاة وكيفية أدائها ولا على الصوم أو الحج أو الزكاة، ولكنها تختلف فقط على كيفية تطبيق الشريعة الإسلامية، فمنهم من رأى حمل السلاح، ومنهم من رأى حمل لواء الديمقراطية، ومنهم من رأى تطبيق بعض السُنن… وأتمنى أن أكون قد أجبتك أخي عن سؤالك واتضحت لديك المسألة والله يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى.

فقال أخونا: ممكن تتحملني قليلا وتسمح لي بسؤال أخير يا أبا حذيفة؟ قلت له تفضل: قال: هل تقصد أن حزب التحرير يسير في خطاه وفق ما شرحت لي؟ وإذا كان الجواب نعم، ففي أي مرحلة أنتم الآن، وما المطلوب من المسلم ليكون عضوا في حزب التحرير؟، الجواب: نعم يا أخي نحن سِرنا وما زلنا نسير وفق هذه الطريقة الشرعية التي نرى أنها فرض لا مجال لاجتهاد العقل فيها، فما علينا إلا العمل لنرضي ربنا، ونحن الآن في مرحلة استلام الحكم عن طريق الأمة وأعمال طلب النصرة، وإنا لنراه قريبا بإذن الله، أما من يريد أن ينضم إلينا فنحن لا نطلب منه إلا أن يفصح عن رغبته ويأتينا لنأخذ منه ساعتين في الإسبوع نُدّرسه فيها الثقافة الإسلامية كما فعل نبينا صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ليحمل الإسلام كما حمله صحابته عليهم رضوان الله.

ونختم بهذه الدعوة العامة:

  • إذا كنت مسلماً مؤمناً بالعمل لإعادة الحكم بالإسلام إلى واقع الحياة، من خلال حزب إسلامي يوصلنا للحكم بالإسلام…
  • مؤمناً بأن الحكم بما أنزل الله هو فرض على المسلمين.
  • مؤمناً بأن طريقة أداء الفرض هي أيضا فرض نأخذها من سنة رسولنا الكريم.

فإنه يسرنا أن ندعوك إلى المبادرة للانضمام إلى صفوف حزب التحرير الذي يعمل ليل نهار لاستئناف الحياة الإسلامية عن طريق إقامة دولة الخلافة الراشدة. كما ويسرنا أن نجيب عن أي استفسار لديكم فأهلا بتواصلكم معنا.