خبر وتعليق
الخبر:
إخلاء سبيل الرئيس المخلوع في قضية قتل المتظاهرين بحسب المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية التي تنص على أن مدة الحبس الاحتياطي القصوى في المحاكمات التي تكون عقوبتها المؤبد أو الإعدام هي عامين فقط.
التعليق:
وإن تعجب فعجبٌ من قضاء يجعل خلف منصته قوله تعالى “وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ”، ولا يحكم بالإسلام الذي هو أساس العدل، بل هو العدل بعينه!، ويزداد العجب والحسرة أن يدعي من يدعي أن قوانين الإجراءات الجنائية لا علاقة لها بالشريعة!! ولعل هذا الحكم الذي صدر بالأمس القريب يجعل الجميع يفيق إلى وجوب تحكيم شرع الله في دولة إسلامية هى دولة بنظام حكم الإسلام وهو نظام الخلافة.
فإذا تناولنا هذا الحكم الصادر من منظور الإسلام ونظام قضائه، وبعيداً عن خلفياته وأبعاده السياسية التي يعرفها الكثير ويحس بها الأكثرية ويتوجس خيفةً منها الجميع، نجد أن القضاء في الإسلام يحتم وجود محكمة، أي هيئة قضائية مكونة من قاضٍ واحد فقيه يعرف الأحكام الشرعية ويعرف كيف ينزّلها على الواقع، ويعرف كيف يقف على البينات، فيُصدر حكمه كحكم شرعي على سبيل الإلزام، وحكمه نافذ، ليس فيه نقضٍ ولا استئنافٍ، لأن الحكم الشرعي لا يُنقض ولا يُستأنف، ولكن من الممكن أن يراجع قاضٍ قاضٍ آخر ليستشيره قبل النطق بالحكم، أو يرفع الأمر إلى محكمة المظالم إذا كانت هناك مظنة الخطأ المحض في الاستدلال أو مخالفة ما تبنته الدولة من أحكام أو عدم تحكيم شرع الله.
والقاضي في القضاء الإسلامي واحد، وهو وحده له صلاحية إصدار الحكم، وله أن يستشير من يرى ويستدعي للشهادة من يرى أن شهادته مهمة في البينة (الدليل)، ولا يُفرَضُ عليه عضو هيئة محكمة، لا يمينًا ولا يسارًا، وله أن يختار قضاةً آخرين معه في مجلس القضاء، ولكن للاستشارة فقط وليس للمشاركة في الحكم، ولا لأخذ رأي الأغلبية، حيث أن الحكم الصادر من القاضي هو ما غلب على ظنه أنه حكم الله في الواقعة، فحكم الله في حقه لا يحتاج إلى الأغلبية لتقريره بل يحتاج إلى قوة الدليل وصحة الاستدلال عند المستدل، ورسوخ البيِّنة، وهذا في حد ذاته لا يجعل القضايا بين الناس تطول في البحث والنقض والاستئناف، فتستمر القضية سنين وعقود دون أن يحصل صاحب الحق على حقه. بل القضاء في الإسلام درجةٌ واحدة، فلا تضيع قضايا الناس وتهدر حُقوقهم في متاهات الأزمنة الطويلة والصراعات بين ما يُسمى بالسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والسلطة التشريعية، كل هذا في إطار نظام وضعي ديموقراطي، وتفسيرات دستورية متناقضة!
أما الإجراءات التي تسبق القضايا من ضبط وإحضار المدعى عليه، فهي بأمر من القاضي المرفوع أمامه الدعوى، في حال كونه قاضي خصومات يفصل في ما يقع من نزاع بين الناس، أما إذا كان من قضاة الحسبة الذين ينظرون في القضايا التي تضر بحق الجماعة ككل، فلا يلزم الاستدعاء، بل يجوز بأمر منه أو من غيره، ويجوز أن ينطق بالحكم دون استدعاء أصلاً، إذا ظهرت مثلاً ظاهرة عامة في السوق تضر بحق الجماعة كبوادر احتكار أو غيره، فينطق بالحكم مباشرة، وكذلك في حال كونه من قضاة المظالم الذين يفصلون في المنازعات التي تقع بين الناس وممثلي الدولة، كخليفة المسلمين والولاة والعمال أو موظفيها. وهذا في حد ذاته لا يُعطي للفساد فرصةً أن يتفاقم فتضيع الحقوق بسبب طول مدد التقاضي.
فالإطار العام الذي تجري فيه هذه الإجراءات للإحضار والمثول أمام القاضي لا بد فيه من حفظ النفس والمال والعرض والكرامة للمدعى عليه، ولا بد من عرض القضية على القاضي ومثول المدعى عليه أمامه بشكل مباشر وسريع، وللقاضي أن يحقق بنفسه أو يندب من ينوب عنه من القضاة للتحقيق وجمع البينات. وللمدعى عليه أن يكون له دفاعٌ يشرح ويفند الوقائع والبينات ولكن لا يناقش الأحكام والأدلة.
أما في حال المخلوع مبارك والتهمة الموجهة إليه وهى قتل المتظاهرين، وحيث أن جريمة القتل في الإسلام سواءً أكان المدعى عليه هو القاتل أو مشارك في الجريمة أو محرض بأي شكل من الأشكال، ولو من باب أنه كان يستطيع منع القتل بسهولة ولكنه استمرئه، فلا شك أن حكمه حكم من قتل، ففي الإسلام الجماعة تُقتل بالواحد، أي العصابة من الناس التي تشارك في قتل فرد تُقتل بالواحد المقتول، فما بالنا بهذه العصابة الخائنة العميلة التي كان يرأسها مبارك وقادة المجلس العسكري، وهى دبرت وخططت لوأد المظاهرات السلمية بالبطش والقمع – ولو بقتل الناس – دون مراعاةٍ لأرواح أو أعضاء بشرية! ناهينا عما ارتكبه طوال حكمه من جرائم قتل وتعذيبٍ وخطفٍ في مراكز أمن الدولة، ما ثبت عليه بالأدلة الدامغة، وما تم بترتيبٍ وتنسيقٍ بينه وبين المخابرات الأمريكية، وبتنفيذٍ من وزراء داخليته وعلى رأسهم الحبيب العادلي. وأكثر ما يُحزن أن تتم المحاكمة على غير أساس شرع الله، وبهذا التساهل في دماء وأرواح المتظاهرين، رغم الوعودٍ المتكررة ممن هم في سدة الحكم اليوم، ممن يدعون أنهم يريدون تحكيم شرع الله والقصاص من قتلة المتظاهرين، حتى أنهم أثاروا موضوع الدية لأهالى القتلى من المتظاهرين أثناء الانتخابات وقبل اعتلائهم منصب الحاكم، ثم بعد اعتلائهم إياه فلا قصاص ولا حتى دية! ولكن إخلاء سبيل لكبير الطواغيت!! فلا حول ولا قوة إلا بالله!

































