مقالات فكري

إدارة الأزمات وحماية الأمة والدولة اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم الجزء الثالث: الخلاصة والخاتمة

وهنا يجدر بنا التأكيد على ضرورة استخلاص الدروس المستفادة من موقعتي الأحزاب والحديبية، ونذكر هنا أمرين اثنين لأهميتهما:

الأول: ملاحظة الظروف المشتركة بين حادثتي الأحزاب والحديبية:

أ- لم يحصل قتال فعلي بين المسلمين والمشركين، رغم احتدام الصراع، واستعداد المسلمين والمشركين للقتال.

ب- كان النصر حليف المسلمين في الحادثتين، في خِطة القتال للدفاع عن المدينة في واقعة الأحزاب، وفي خِطة السلم لنشر الدعوة بين العرب في حادثة الحديبية.

ج- أنزل الله في الحادثتين سورتين كاملتين، سورة الأحزاب وسورة الفتح. آياتٌ تُتلى إلى قيام الساعة، فتصنع من المؤمنين الصادقين قادةً ورجالَ دولة، بما احتوته من أفكار وأحكام في العقيدة والتشريع والسياسة.

د- برز في الحادثتين، وما أُنزل فيهما من آيات، خطورةُ تيّارِ المنافقين ودورُهُ في إضعاف الجبهة الداخلية، معنوياً وإعلامياً ومادياً.

هـ- شكّلت الحادثتان منعطفاً حاسماً في تاريخ الإسلام وقوة دولته وتركّزها، ففي موقعة الأحزاب قُضي على آخر جيب لليهود في المدينة، وفي حادثة الحديبية انتشر الإسلام في مكة، وقُضي على آخر وأكبر كيان لليهود في الجزيرة، وتغلغل الإسلام في قبائل العرب، ومُهّدت الطريق أمام قادة المسلمين، من صحابة الرسول، لمغالبة الدول الكبرى.

والثاني: هو ضرورة قيام رجال الدولة الإسلامية بدراسة الأخطار والأزمات التي ستواجهها الأمة والدولة، وبذلُ الوسع في رسم السياسات العقدية اللازمة لتركيز الفكرة الإسلامية في الداخل، أي في الحكم والمجتمع، ووضعُ السياسات اللازمة لنشر الفكرة الإسلامية عالمياً وَفق طريقة الإسلام. ولمزيد من التوضيح نبرز الأمورَ التالية على سبيل المثال:

1- وضع معالجات لما يُسمّى بمشكلة “الأقليات” في البلاد الإسلامية، ومشكلة الأوساط السياسية المعادية للإسلام داخلياً، على غرار معالجة الرسول – عليه السلام – ليهود المدينة وتيّار المنافقين.

2- ضرورة العناية بوضع السياسات الداخلية والخارجية، والحرص على تنفيذها بدقة ووعي، مع مراعاة التقيّد التّام بالمبدأ وأحكامه، فيجتمع في ساسة الدولة الإسلامية الفكر المبدئي، والتخطيط العملي، والعلاج الواقعي. وهو ما يقتضي دراسة الأحكام الشرعية المتعلقة بالسياسة الداخلية والسياسة الخارجية وعلى رأسها أحكام الجهاد والمعاهدات والصلح.

3- إدراك أهمية الأعمال السياسية والدعائية، التي تسبق وتصاحب وتلي أعمال الجهاد، بحيث يتجلّى في هذه الأعمال المرونةُ والإبداعُ والدهاءُ، واتقانُ المناورات والدبلوماسية.

4- ضرورة انتقال حملة الدعوة إلى سياسيين ورجال دولة، أي انتقال حملة الدعوة الإسلامية من دور متابعة الأزمات إلى إدارتها، ومن تحليل الأحداث إلى صنعها، ومن ترقّب الأخطار إلى مواجهتها والتغلب عليها.

ولتقريب الصورة إلى واقعنا الحالي، ينبغي لنا التفكير في وضع الخطط السياسية، الدفاعية والهجومية، التي تمكننا من حماية الدولة الإسلامية وتركيزها، ونشر الإسلام وظهوره عالمياً. فمثلاً، ما هي الخطة التي تمكّننا من عزل الهندوس عن الصين وروسيا؟ حيث يعتبر كيان الهندوس في جنوب آسيا العدو الرئيس والخطر الأبرز للإسلام في جنوب شرق آسيا. وما هي الاستراتيجية التي تحقق عزل أميركا عن حلفائها في أوروبا وآسيا، كألمانيا واليابان؟ مع ملاحظة اعتماد صناعات هذه الدول على مصادر الطاقة والمواد الخام المتركزة في البلاد الإسلامية، وذلك لأن أميركا تعتبر اليوم العدو الرئيس للإسلام ودولته، والخطر الأكبر على قيام واستمرار دولة الخلافة، خشية على مصالحها الاستعمارية في المنطقة، وخوفاً على مكانتها الدولية، واستشعاراً منها أن الدولة الإسلامية ستسعى لمزاحمتها ولتغيير النظام الدولي في سبيل حمل الدعوة الإسلامية عالمياً.

وصلى الله على سيدنا محمد، والحمد لله رب العالمين