مقالات اقتصادي

الأزمات الاقتصادية بين الإسلام والرأسمالية (الجزء الثاني): النظام الربوي

بقلم الدكتور ياسر صابر، مفكر إسلامي وباحث اقتصاد

إن النظام النقدى الذى اختل فى المائة عام الأخيرة ليس المسؤول الوحيد عن الأزمات الاقتصادية، بل ربما يسبقه فى الترتيب النظام الربوى الذى يقوم عليه الاقتصاد الرأسمالى، والذى لايمكن تصور وجوده بدون الربا، لأن فكرة الربا تنسجم في الأساس مع مقياس الرأسمالية فى الحياة ألا وهو المنفعة، والنظام الربوي هو حجر الزاوية في النظام الاقتصادي الرأسمالي، وهو من ناحية اقتصادية يدمر أى اقتصاد، بصرف النظر عن نسبة الفائدة زادت أم قلت، لأن الفائدة التى يأخذها المرابى هى استغلال لجهد الناس، ولأن المال الذى يؤخذ عليه ربا هو مضمون الربح وغير معرض للخسارة، بخلاف أي تجارة أو عقد شراكة، فإمكانية الربح والخسارة موجودة في كل هذه العقود، علاوة على أن النظام الربوي المصرفي يعطي قروضاً غير مغطاة، فالرأس المال الحقيقي لدى أي بنك هو بمعدل عُشر حجم القروض التي يمنحها، وهذا يؤدى إلى خلق المال كما يُعبر عنه أهل الاقتصاد، أي إيجاد مال من عدم غير مغطى، لا في خزينة البنك المقرض ولا في خزينة البنك المركزي، وخلق المال هذا يؤدى بدوره إلى فقدان المال لقيمته وبالتالى زيادة معدلات التضخم وحدوث أزمات اقتصادية.

إن الربا يدفع الناس إلى إيداع أموالهم فى البنوك من أجل تحصيل فائدة مضمونة، وبالتالى حين يدخل هذا المال إلى البنك فإنه يخرج من دائرة التداول أي دائرة رأس المال، وهو ما أطلق عليه القرآن لفظ الكنز الحرام، وتحدث بذلك ثغرة تؤثر سلبياً على الاقتصاد. وبالرغم من الاعتقاد الذى ساد بين علماء الاقتصاد بأن خروج هذا المال من البنك فى صورة قروض استثمارية يسد الفجوة التى أحدثها ادخار المال إبتداءً، إلا أنهم اكتشفوا أن هذه المعادلة بين الادخار والإقراض لاتسير كما يتصورون وبأنها آلية غير مضمونة لمنع الأزمات الاقتصادية. لأنه حين تزداد الفائدة الربوية يقبل الكثير من الناس على الادخار بينما تقل رغبة الإقتراض بسبب الفوائد العالية وبالتالى يحدث خلل اقتصادى، والعكس صحيح حين تقل الفوائد يزداد الإقبال على الإقتراض وتقل الرغبة فى الادخار، ولهذا قامت الدول بالتدخل من أجل تحديد سعر الفائدة.

إن كثيراً من الناس يتوهمون أن النظام الربوى لا يتأتى منه ضرر لأحد، طالماً أن المال الذى تؤخذ عليه فائدة يتم استثماره، لأنهم لايدركون آلية هذه العملية وكيف تؤدى مباشرة إلى مشاكل اقتصادية كبيرة تؤدى إلى إرهاق الطبقة المتوسطة، بينما تزداد الطبقة الغنية غنى، وبكلمات أخرى فإن مشكلة سوء التوزيع التى تعتبر العقدة الكبرى فى النظام الرأسمالى تزداد سوءً. ويحدث هذا كالأتى: حين تقوم شركة بالإقتراض من أحد البنوك فهى تدفع فوائد على هذا القرض، ولأنها تقترض من أجل الربح وليس من أجل الخسارة فهى تقوم بإدخال كل النفقات الجديدة ومنها الفوائد وفوائد الفوائد فى سعر المنتج الذى تقدمه، والسؤال الآن: من يدفع هذه الزيادة التى تم إدخالها على المنتج الذى قدمته الشركة المستثمرة؟ الإجابة باختصار هو المستهلك، وهذا يعنى أن الزيادة سوف يتحملها الإنسان البسيط قليل الدخل تحت مسمى الفوائد الربوية، لأن دخله يناظر استهلاكه، فى حين أن الأغنياء لايتأثرون بهذه الزيادة لأن أموالهم التى يضعونها فى البنوك كبيرة، وبالتالى الزيادة التى يدفعونها على احتياجاتهم من السلع والخدمات لاتقارن بالزيادة الكبيرة لرؤوس أموالهم والفوائد المضاعفة التى يأخذونها، وبكلمات أخرى فإن الفقير يعاني ويزداد فقراً بينما يزداد الغني غنى.

هذا إذا نظرنا للمسألة من ناحية الإنتاج، أى القروض الاستثمارية، أما الجانب الآخر المتعلق بالقروض الاستهلاكية فحدث ولاحرج، لأن هذا هو السائد الآن، حيث يعجز الناس عن تدبير أمور حياتهم بالشكل الطبيعى فيلجأون إلى الإقتراض من البنوك لشراء حاجاتهم، وهذه القروض يتم أخذ فائدة عليها وفوائد على الفوائد نفسها مما تجعل مدخرات الناس بالسالب. ويظهر هذا أيضاً على الدول التى تقوم بالاقتراض، خاصة دول العالم الثالث التى أهلكتها الديون وتنتج فقط من أجل سداد فوائد الفوائد.

إن هذا النظام الربوى إذا اقترن بنظام النقد الحديث الذى لايعتمد على الذهب والفضة، يصبح وبالاً على المجتمع والدول، وقد أدرك الغرب هذه المشاكل التى تعلقت بنظام الربا وحاول أن يقدم لها حلولاً وكان أول تصوراته هو خفض سعر الفائدة، إلا أن هذا لم يحل المشكلة فبدأت مصارحة الذات بأن المشكلة ليست فى نسبة الفائدة بل فى النظام كله أى النظام الربوى نفسه، وبدأت تتعالى الصيحات فى الغرب بضرورة إلغاء الفائدة، وبأن الزيادة التى تحدث على المال يجب أن تكون زيادة طبيعية بقدر ما يحقق هذا المال من ربح وخسارة فى دورة رأس المال. وبالرغم من أن قناعات الاقتصاديين فى الغرب قد وصلت إبان الأزمة الحالية التى بدأت فى 2008 إلى ضرورة التخلص من النظام الربوى إلا أن المشكلة التى تواجههم هى السؤال الكبير: وماذا بعد؟