ثم جاء بعد ذلك عهد عبد الناصر ليستمر في تخريب العملية التعليمية في مصر ويسير على خُطا أسلافه التدميرية للجيل المسلم الذي بدأ يلقَّن أفكار الاشتراكية العفنة، والعلمانية في أبشع صورها، وتلقى الأزهر أولى الضربات في عهد “عبد الناصر”، عندما قرر مصادرة الأوقاف الخاصة به، في مخالفة للشرع والأعراف والقانون. وكانت الأوقاف، سُنة حسنة يقوم بها المقتدرون من أهل الخير، لتكفل بريعها العديد من أنشطة الحياة والبشر الفقراء، وهي أن يوقف أحدهم مساحة أرض زراعية ينفق ريعها على الفقراء المعدمين. وغيره يوقفها مثلا لرعاية المساجد ودور العبادة، ومنها ما هو موقوف للطيور في السماء، وكانت تنثر لهم الحبوب والغلال على أسطح المساجد وفوق الجبال الصخرية. قال الدكتور حسن الشافعي، رئيس المكتب الفني لشيخ الأزهر، ورئيس مجمع اللغة العربية، إن “عبد الناصر”، صادر معظم أوقاف الأزهر من الأراضي الزراعية ووزعها على الفلاحين، على الرغم من كون ذلك مخالفاً للشرع والدين، ويضيع على المؤسسة الأزهرية أوقافاً تقدر بمليارات الجنيهات.
وتزامن اقتطاع أموال الأزهر، مع قيام نظام عبد الناصر، بتقليم أظافره ووضع مشايخه وعلمائه ورموزه في قبضة أمنية تمنعهم من قول الحق والجهر به، الأمر الذي سار عليه خَلَفُهُ أنور السادات، إذ استمرت إدارة الأزهر أمنيًا من داخل جهاز مباحث أمن الدولة، واختيار شيخه بناء على تقارير أمنية صادرة لرئاسة الجمهورية، فضلًا عن استمرار استقطاع أوقافه وأمواله.
وفي عهد عبد الناصر تم إضافة مادة «التربية القومية» ضمن المواد الدراسية، تلك المادة التي فرضت على كل المراحل التعليمية من أجل غرس حب عبد الناصر في قلوب الأجيال الجديدة، وأظهرت إنجازات عبد الناصر في القضاء على النظام الملكي الفاسد من خلال الثورة وإنشاء المصانع والسد العالي والإصلاح الزراعي وتمجيد دوره في محاربة الاستعمار ومؤازرة الثورات العربية الأخرى كالثورة الجزائرية وإنجازات أخرى وجعلت من كل شيء إنجازا أشبه بالإعجاز بصرف النظر عن النتائج كمساعدته للثورة اليمنية على سبيل المثال لا الحصر وركزت بشدة على تغييره لوجه مصر وسعيه لتوحيد الأمة العربية.
وأيضا وضع النظام الناصري كتابا اسمه «الميثاق» ليتم تدريسه في المرحلة الثانوية وأشهر من أعد هذا الكتاب هما (أحمد كمال أبو المجد ومحمد حسنين هيكل) وكان يتضمن نفس الأشياء التي تضمنتها مادة التربية القومية بالإضافة إلى أنها تشير أن عبد الناصر حقق العدالة الاجتماعية وحرية الرأي والتعبير التي كانت كذبة يفضحها الواقع فلم يتحقق منها شيء على أرض الواقع في ظل القمع والاعتقالات التي تمت في عهده.
بعد كامب ديفيد وبين عامي 1979 و1981 تغيرت مناهج التربية والتاريخ والقراءة فحذفت كل النصوص التي تتعلق بالحروب بيننا وبين كيان يهود، ثم عندما تسلم فتحي سرور وزارة التربية والتعليم قام بقفزة واسعة في تصفية المناهج وفقاً للمطالب الصهيونية والأمريكية، وكانت المرة الأولى منذ تمصير التعليم التي يشرف فيها على تغيير المناهج لجان أجنبية ضمن مراكز التطوير ويشارك في وضعها أسماء أجنبية.
في 25/8/1981 زار رئيس وزراء كيان يهود “بيغن” القاهرة وكان من بين ما تباحث فيه مع السادات صدق الرغبة المصرية في التطبيع، وقد طمأنه السادات بتأكيد الرغبة في ذلك، وانتهزها بيغن فقال للسادات: كيف تريد أن أصدّق أن هناك نية عندك للتطبيع وطلاب مصر ما زالوا يقرؤون الآية التي تقول (لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم)؟ مما استدعى طلب السادات من وزير التعليم المصري أن يحذف مثل هذه الآيات من المناهج المصرية والتي تتحدث عن عداوة بني إسرائيل للإسلام!
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 دعت الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية بصوت مسموع إلى تعديل مناهج التعليم في جميع البلاد الإسلامية؛ لتجنب الآيات القرآنية والأحاديث التي تحض على الجهاد، وتجنب ذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة باليهود؛ اتساقًا مع دعوى إشاعة ثقافة السلام بعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر ودولة يهود. وقد آتت الضغوط الأمريكية على الأزهر أكلها منذ سنوات عدة، لتنفيذ عدد من التعديلات في المناهج الدراسية بالتعليم قبل الجامعي تصبّ في خانة الهوى الأمريكي والصهيوني منها:
- حذف مادة الفقه المذهبي من المرحلة الإعدادية، والاستعاضة عنها بمقالات صحفية لبعض موظفي الأزهر تحت عنوان: الفقه الميسر.
- إلغاء أبواب الجهاد من المرحلة الإعدادية.
- إضافة مادة الحديث والتفسير في الصف الثالث الإعدادي إلى مادة المطالعة والنصوص منذ العام الماضي.
- حذف 12 جزءا من القرآن الكريم في المرحلة الابتدائية منذ عامين، مع إلغاء السنة الرابعة بالثانوية.
- إضافة اللغة الفرنسية لمنهج الصف الثالث الثانوي مع اللغة الإنجليزية دون تحديد ساعات دراسية لها، بما يعني أنها وضعت لمزاحمة المواد الشرعية التي تم تهميشها بالفعل.
- اختزال مادة التفسير للصف الأول الثانوي إلى الآيات الثمانية الأولى فقط من سورة الكهف.
- تصفية مادة الدين تماماً من معاني العبودية وإبقاؤها في ثوب التعاليم الأخلاقية والإرشادات التي تسير على الطريقة الفلسفية في الأخلاق، كما هو الحال تماماً في الخطاب النصراني.
- زيادة جرعة الإفساد في مناهج اللغات، من خلال تضمين الكتب عبارات ماجنة، وإشاعة حياة الرقص والاختلاط والموسيقى والغناء، وقد احتوت المناهج الحديثة على عدد من المغنين، والشعراء والقصاصين الذين ألبسوا ثوب العالمية، وقدموا للطلبة نماذج تحتذى للنجاح في الحياة العملية.
وفي التعليم العام قاموا بما يلي على سبيل المثال:
- تقرير اللغة الإنجليزية من السنة الأولى الابتدائية، أي أن الطالب سيتعلم مبادئ اللغتين معاً، كما أن هناك توجهاً لتعميم سياسة المدارس التجريبية (اللغات التابعة للوزارة) في تدريس شطر المواد أو غالبها باللغة الإنجليزية.
- السعي إلى إلغاء مادة الدين (التربية الإسلامية للمسلمين، والتربية المسيحية للنصارى) وتقرير مادة الأخلاق والتي تختلط فيها نصوص الكتاب والسنة، بعبارات التوراة والإنجيل، وأقوال الفلاسفة.
نماذج من السياسات التعليمية المتخبطة:
وحتى نظهر قدر التخبط نعرض فقط لنموذجين مما يتم باسم التطوير الذي يعاني منه الطلبة وأولياؤهم أشد معاناة، وتعاني من ورائه الأمة كلها:
- الأول خاص بالشهادة الابتدائية: فمنذ أكثر من عقدين ألغي الصف السادس من المرحلة الابتدائية، وحمّل عقل الطالب فاتورة هذا التقليص الذي تم باسم تخفيف الأعباء عن ميزانية التعليم وتتبع خُطا الدول المتقدمة! وإذا بنا نفاجَأ بعد أربع سنوات فقط بإعلان يقول: إن التجربة قد أخفقت؛ لأنها أرهقت ذهن الطالب دون أن تؤدي إلى تقوية مستواه. وعاد الحديث عن مزايا السنوات الست من جديد وشق طريقه للتطبيق بعد ذلك بسنوات أربع أخرى.
- والثاني خاص بالشهادة الثانوية: ما زال نظام الثانوية يشهد تجريباً في شكل الشهادة وطريقة الامتحانات منذ حوالي ثماني سنين، وفي كل عام تتراجع الوزارة عن بعض قراراتها السابقة، مما يصيب أولياء الأمور بحالة من الدهشة حين يتحول مستقبل أبنائهم إلى حقل تجارب لقرارات لم تأخذ حقها من التفكير ودراسة الآثار المستقبلية قبل اعتمادها.


































