لإيجاد مفهوم واضح ودقيق للعملية الفكرية سنسترشد بمثال من الحياة العملية اليومية: لنفرض أن ابنك او أخاك الصغير عرض عليك ثمرة من الحمضيات وسألك: “هل آكلها؟”، فكانت إجابتك: “إن هذه ثمرة الآرنج وهي تشبه البرتقالة ولكن طعمها مرّ جدا ولن تستطيع تحمل مرارتها.” فماذا حدث بداخلك قبل أن تجيب على هذا السؤال؟
قبل كل شيء هناك طفل يطرح سؤالا وهو يشير إلى ثمرة من الحمضيات موجودة في العالم المحسوس، إذًا، فهي حقيقة لا شكّ فيها. بصفة عامة، نقطة البداية لكل فكر أنّه يستند إلى واقع، بمعنى:
إمّا أنّه شيء محسوس من العالم المادي.
وإما أنّه شيء غير محسوس ولكن يستدلّ على وجوده من خلال أثره في الواقع المحسوس وهو ما يسمى بالحقيقة المبنية على الواقع.
غياب الواقع يمنع كل فكر ولكن لا يمنع النشاط الدماغي الذي يدخل تحت مسمى الخيال، الحلم أو التخمين لأنه منقطع عن الواقع، فكيف ستجيب على هذا الطفل بطريقة معقولة لو لم يشر لك إلى شيء؟ فالواقع في المثال الذي نحن بصدده، ثمرة، لها لون معين وشكل معين…
في مرحلة ثانية ستنظر إلى الثمرة المعنية وتلمسها ربما تشمها، ويأتي هنا المكون الثاني للفكر وهو الإحساس بالواقع عبر واحد أو أكثر من الحواس الخمسة، فبدون إحساس ستنقطع العملية الفكرية، فكيف ستعرف نوع الثمرة إن كانت ملفوفة في غلاف ورقي؟
بعد ذلك تتذكر الأشكال والألوان والروائح والأحاسيس الموجودة مسبقًا في ذهنك عن ثمرة الآرنج، وتربطها طبيعيا بالشيء الذي ينتظر التعريف. فتحكم عليه أنه بالفعل ثمرة آرنج، وهكذا وصلت المعلومات عن الواقع المراد معرفته إلى الدماغ الذي سيربط الأحاسيس الجديدة تلقائيا بالمعلومات السابقة الموجودة لديه. ولكي تتم هذه العملية يفترض أن يكون الدماغ قادرا على الربط بطريقة صحيحة بين المعلومات الجديدة والمعارف المكتسبة. وخلافا لدماغ الآدمي فإن دماغ الحيوان غير قادر على الربط. أما ما يرشد الحيوان، حين تكون أمامه احتمالات مختلفة، فإنه إحساس غريزي وليس اختيارًا عقليًا ناتجًا عن عملية فكرية فعلية مثل ما يحدث عند الإنسان. وكذلك عدم قدرة الدماغ لدى المريض عقليا على الربط الصحيح تمنعه من إصدار أحكام معقولة، وتمنعه كذلك من التفكير.
فالعقل الطبيعي يستطيع الربط إذًا بين الواقع المحسوس في الحاضر، والمعارف والمعلومات السابقة الموجودة في الذاكرة. هذه المعلومات السابقة هي المكون الرابع والأخير لأي عملية فكرية، فكل ما تعلمناه في السابق يعتبر ركيزة لفهم الواقع الحاضر، ففي مثال ثمرة الآرنج، تعريف الحمضيات وخصائص الآرنج كوّنت المعارف التي مكنتنا من إصدار الحكم.
والخلاصة أن أيّ عملية فكرية مهما كانت معقدة أو بسيطة تتكون من أربعة أجزاء:
– واقع
– إحساس بهذا الواقع
– دماغ قادر على الربط
– معارف ومعلومات سابقة ذات علاقة بالواقع
ولو تخلفت أي واحدة من هذه المكونات فلن يكون هناك فكر، ولو أوصلت العملية الفكرية لنتيجة غير معقولة أو خاطئة يجب البحث عن العيب في واحد أو أكثر من هذه المكونات الأربعة. وفي الواقع العملي هذا الوصف المفصّل للفكر له فائدة كبيرة جدا، فبسبب هذا التعريف المفصل استطعنا التوصل إلى فهم أعمق لكل المشاكل التي يمكن أن تعطّل العملية الفكرية.
فالكثير من الناس يحملون أفكارا خاطئة أو غير معقولة لأنهم يصدرون أحكامهم انطلاقا من عملية فكرية على أشياء غير واقعية، أو لأن إحساسهم بالواقع موضوع الدرس غير كافٍ أو غير واضح، أو أنّ عملية الربط مشكوك في صحّتها، أو أنّ المعلومات السابقة والمتعلقة بموضوع البحث غير كافية!
بعد دراسة شروط التفكير، لنهتم الآن بمختلف مستوياته أو درجاته
الأفكار السطحية – العميقة – المستنيرة
التّحليل التّالي سيغطّي كل فروع ومستويات الفكر، وحتى يتسنّى فهم الأفكار المطروحة سيتركّز بحثنا حول مثال من الواقع. لنفرض أنّنا نريد شراء طاولة. فما هي مختلف المستويات الفكرية التي سنستند عليها لإتمام الصفقة؟
الطريقة العملية الأولى تتمثل في التجول داخل معرض للأثاث… فما أن يقع نظرنا على طاولة أعجبنا لونها الجميل نقرر شراءها فورا. في هذه الحالة كان فكرنا سطحيا. فالفكر السطحي يتمثل في ملاحظة الشيء وتكوين رأي مباشر عنه دون فهمه. وأكبر وأهم نقاط الضعف لهذا النوع من الفكر تتمثل في أنّ إصدار الحكم بناء على المظهر الخارجي يترتب عليه أحيانا خطأ في الحكم. ويمكن أن يتخفّى وراء المظهر الخارجي – اللون الجميل في مثالنا – العديد من العيوب.
ولكي يكون اختيارنا أدقّ نستطيع قبل كل شيء أن نتساءل: من أي خشب صنعت هذه الطاولة؟ وما هي درجة صلابتها؟ وهل هي محمية جيدا ضد الرطوبة؟ هل لها عجلات؟ وهل يمكن طيّها؟ إلى آخره… فالأجوبة عن هذه الأسئلة ستقودنا إلى تعميق فهمنا لموضوع تفكيرنا: وهو الطاولة في هذا المثال. وبعبارة أخرى فلقد مررنا من الفكر السطحي إلى الفكر العميق. وبصفة عامة، يتمثل الفكر العميق في بحث الشيء ودراسته بعمق ثم إصدار الحكم عليه. ورغم تفوقه الجليّ على الفكر السطحي، غير أنّ الفكر العميق يمكن أن يكون غير كاف في كثير من الحالات. فيمكن أن نكون ملمين بكل الخصائص الفنية والتقنية للطاولة، ونقوم فعلا بشرائها، ولكن عند إرادتنا وضعها في المنزل نفاجأ بعدم جدوى هذه الصفقة. كأن اكتشفنا أنّ الطاولة كبيرة جدّا ولن نستطيع وضعها في أي مكان. أو أنّ لونها أو شكلها لا يتناسق مع الأثاث الموجود في المنزل. ويمكن كذلك أن نندم على تخصيص كل ذلك المبلغ لشراء الطاولة مقارنة بإمكانياتنا المالية وأنه كان من الأجدر إنفاق ذلك المبلغ في أمر أهم أو أولى من الطاولة، إلى آخره…
فلو كان اختيارنا مبنيا على تصور واضح لطرق الاستعمال الممكنة للطاولة إضافة إلى إلمامنا بكل خصائصها، فإن ذلك سيزيد من ثقتنا في صحة قرارنا بالشراء. وهذا التصور يمكن أن يكون كما يلي:
ما هو الدور الذي ستقوم به قطعة الأثاث هذه، هل هي طاولة للزينة أو للسفرة؟
ما هي مقاساتها؟ وهل مقاسات المكان الذي ستوضع فيه كافية؟
احتواؤها على أدراج سيكون نافعا أم لا؟
هل ستكون متناسقة في اللون والشكل مع قطع الأثاث الأخرى في الغرفة؟
هذا التوسع في فكرنا حول موضوع الطاولة، ليشمل كل جوانبها وما يتعلق بها يحسّن من فهمنا ويجعل اختيارنا أكثر رشدا. وبهذا نكون قد مررنا من التفكير العميق إلى الفكر المستنير. ويتمثل الفكر المستنير في بحث الشيء ودراسته بعمق مع الأخذ بعين الاعتبار كل الأشياء المحيطة والمتعلقة به، ثم إصدار الحكم عليه، وهو بعبارة أخرى إلقاء الضوء الكافي على موضوع البحث من كل جوانبه. وتشمل هذه المستويات الثلاثة جميع أفكارنا، وكل فكرة لا يمكن إلا أن تكون سطحيّة أو عميقة أو مستنيرة.
وباعتبار هذا التصنيف للأفكار، فرُبَّ قائل يقول: “لا شك أن الفكر المستنير أحسن من الفكر العميق الذي بدوره أحسن من الفكر السطحي، ولكن الفكر المستنير يتطلب مجهودا عقليا أكبر مقارنة بالفكر العميق أو السطحي، فهل القرب أكثر ما يمكن من الحقيقة يستحق هذا المجهود العقلي الكبير؟ وماذا لو وجد ألف سبب جعلني أخطئ في شراء طاولة لأني اكتفيت بالفكر السطحي، ففي النهاية، النتائج ليست كارثية؟ الإجابة أنّه في حالة الطاولة هذا صحيح، رغم أنّه من المستحسن استعمال الفكر الأكثر فعالية أي الفكر المستنير في كل الأحوال، لنتفادى بذلك الاختيارات المتسرعة والسطحية. ولكن ما يترتب على اختيار خاطئ بسبب استعمال الفكر السطحي في بعض الأحيان، لن يكون إلا بسيطا نسبيا بالنظر لحياتنا في مجملها. وبالمقابل، هناك مواضيع تستوجب منا استعمال الفكر المستنير. وذلك لأنّ نتائج بعض الأفكار يمكن أن يترتب عليها تأثير هام على مركز اهتماماتنا وأولوياتنا في الحياة وجدول أعمالنا اليومي ومشاريعنا…
عندما نذكر الاختيارات الكبرى في الحياة يتبادر إلى الذهن في هذا السياق اختيار نوع الدراسة، أو المهنة، أو الإنسان الذي سيكون زوجا لي بقية حياتي…ولكن، هناك مسائل أهم وذات تأثير أكبر على سعادتنا المنشودة، والتي لو لم تحل بطريقة فعالة صحيحة ستتركنا نشعر بعدم الرضا والضيق كلما ذكرناها. وهي بكل تأكيد الأسئلة الأساسية التي ترتكز على أجوبتها المسيرة الإجمالية لحياتنا. فكما قلنا من قبل، أنها تتلخص في هذه الكلمات البسيطة :”من أين أتيت؟ لماذا أنا هنا؟ وإلى أين أذهب؟”. فإنّه في مواجهة هذه الأسئلة الثلاث، وبأخذنا واقعا شاملا كالإنسان والكون والحياة، سيلعب الفكر المستنير الدور الأكبر بدون أي منازع.


































